أحمد بن محمد ابن عربشاه

270

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

والتشرف بميامن طلعتها مدة أيام ، فإنها محسوبة من العمر العزيز بأعوام ، فأجابت مسؤولة واستنجزت مأمولة . وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم « 1 » قد يبست من الهرم ولما تعاورتها يد القدم ، فلم تصلح إلا للضرم « 2 » ، فأرسل يسأل الصدقات الجزلة أن تهبه تلك النخلة ؛ فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبه تلك النخلة . فكان كل يوم يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها ، وهو في أرغد حال وأيمن مآل ، فبعد عدة شهور طلب إلى التوجه الدستور ، فاستدعاه وأكرم مثواه وأجاب قصده ومتمناه وأسبغ عليه نعمه وفضله وسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب طلبه الإقامة ثم سؤاله التوجه بالسلامة . فقال : أما سبب الإقامة بهذا البلد ؛ فلجوار مولانا الملك الأمجد والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد ، فإن طالعه قوى سعيد ومجاورته للسعادة تفيد ويحمل منها لمجاورها المزيد ، فأردت أن يكون منها نصيب ويلاحظنى منها سهم مصيب : فإن تلمم بقفر عاد روضا * وإن تمرر بملح صار شهدا وإن يخطر ببالك نحس نجم * يعد في الحال من رياك سعدا فصرت مشمولا بميامن ظلها مغمور بفائض وابلها وطلها « 3 » . وأما طلبي النخلة اليابسة فإني تفاءلت بها من حظى مساعدة ومناحسة ، فكنت أتردد إليها وأعول في ذلك عليها ، فما دامت في قحول كان جدى وسعدى في نحول ، إلى أن رأيتها قد خضرت واطلعت واستبكرت فأقبل سعدى وحيّا وعاد بعد أن مات حيّا ، وساقطت نخلة سعدى من ثمرات السعادة رطبا جنيا ؛ فعلمت أن طالعى الهابط عاد إلى الأوج « 4 » ، ورسول حظى دخل في دينه

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مريم : 25 ] . ( 2 ) الحطب يرمى به في النار . ( 3 ) أي لكثرتها وقلتها . ( 4 ) العلو والصعود .